الرواية في فلسطين

تطور الرواية الفلسطينية من النشأة إلى السرد المعاصر

تطور الرواية في فلسطين: من النشأة إلى راهن السرد
نشأت الرواية الفلسطينية في مطلع القرن العشرين وسط حركة ثقافية واسعة النطاق، رافقها ازدهار الصحافة العربية في القدس ويافا وحيفا، وانتشارالترجمات من الروسية والفرنسية، وظهورالمدارس الأدبية الحديثة. ولعبت الصحف كمثل “الكرمل” و”فلسطين” دوراً هاما في خلق فضاء سردي أولي مهّد لدخول فن الرواية إلى الثقافة الفلسطينية. ويُعدّ خليل بيدس (1874–1949) مؤسس هذا الشكل الفني،الذي قدّم في روايته “الوارث” (1920) نموذجًا فنيًا واضحًا يمزج بين النقد الاجتماعي والوعي الوطني، مصوّرًا بنية المجتمع الفلسطيني قبل الاحتلال. غيرأن جزءًا واسعًا من هذا الإنتاج المبكر ضاع لاحقًا بفعل الحرب والتهجير وغياب الأرشفة، ما يجعل إعادة بناء تاريخه مهمة صعبة، على الرغم من أن جذوره لا تزال قائمة في الروايات التي .تطورت لاحقاً في المنفى

تطور الرواية الفلسطينية من النشأة إلى السرد المعاصر
من الصحافة والرواية المبكرة إلى أدب المقاومة والسرد الفلسطيني المعاصر.

الرواية ما بعد النكبة (1948–1967)
أدت النكبة عام 1948 إلى زعزعة النسيج الثقافي الفلسطيني بشدة،إذ ساد بعدها صمت وارتباك مؤقت انشغل فيه الكاتب بإعادة التكوين والنجاة. ثم بدأت الرواية تتخذ شكلاً جديداً، وظهر معظم إنتاجها في المنافي العربية، وخاصة في لبنان وسوريا. تتمحورموضوعا تها حول تجربة اللاجئين، والضياع، والهوية الممزقة، والذاكرة الجماعية، فأصبح النص الروائي مساحة لحفظ الذاكرة ومقاومة النسيان. خلال هذه الفترة، قدّم جبرا إبراهيم جبرا رؤية حداثية أثّرت في النقد والترجمة والبناء الفني للرواية العربية بشكل عام، بينما رسخ غسان كنفاني نفسه كواحد من أهم المبتكرين في السرد الفلسطيني بروايته “رجال في الشمس” (1963). أما إميل حبيبي، فمزج بين السخرية السوداء والرؤية السياسية في تصويره لواقع الفلسطينيين داخل إسرائيل.
بعد هزيمة عام 1967: كنفاني، حبيبي، وأدب المقاومة
مثّلت هزيمة عام 1967 نقطة تحوّل في الوعي الفلسطيني والعربي، فتحوّلت الكتابة الروائية إلى فعل مقاومة ووسيلة لإعادة تشكيل صورة الفلسطيني في دوامة الاحتلال والتهجير. ويُعتبرغسان كنفاني المؤسّس الأبرز لهذا التيار. و”عائد إلى حيفا” (1969) عملين فارقين: الأول كشف مأساة الفلسطيني المهزوم مستخدمًا رمز “الصهريج” كمرآة للقمع والضياع، أما الثاني، فقد طرح مسألة الهوية من خلال ارتباط الفلسطيني بوطنه المفقود بعد النكبة. واعتمد كنفاني لغة مكثفة ورموزًا سياسية واضحة حتى رسّخ مفهوم “الكاتب المقاتل”. في الاتجاه نفسه، أدخل إميل حبيبي أفقًا جديدًا عبر السخرية السوداء في روايته “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل” (1974). مع انها عرّت تناقضات الحياة تحت الاحتلال بأسلوب هجائي يستبطن الألم والرفض، مستخدمًا المفارقة لفضح البنية الاستعمارية.
سحر خليفة وصوت المرأة الفلسطينية
برزت “سحر خليفة “كأقوى الأصوات النسوية بعد 1967، مقدّمة في “الصبار” و”باب الساحة” و”عبّاد الشمس” مشروعًا يمزج النقد الاجتماعي بالتحليل السياسي ويكشف تداخل الاحتلال والبطريركية والطبقية في تشكيل المجتمع الفلسطيني. قدّمت المرأة فاعلة في المقاومة لا مجرد شاهدة على الحدث، معتمدة على الحوار الداخلي وتشريح البنية الذكورية.
جبرا إبراهيم جبرا والحداثة الروائية
مثّلت رواية جبرا “البحث عن وليد مسعود” (1978) قمة النضج الفني للرواية الفلسطينية، إذ استعان فيها بتعدد الأصوات وتفكيك الزمن وبنية التحقيق البوليسي في إطار بحث فلسفي عن المنفى والهوية، ناقلًا الرواية من خطاب المقاومة المباشر إلى أفق جمالي حداثي.
مرحلة ما بعد أوسلو (1990–2010)
شهدت هذه المرحلة توسعًا كبيرًا في الإنتاج الروائي وتنوعًا في الاتجاهات. فمن جهة، تبنّى كثير من الروائيين الواقعية السياسية والاجتماعية لتصوير التفاصيل اليومية: الحواجز، الاعتقالات، الجدار العازل، والانقسام الداخلي، كما في “الملهاة الفلسطينية” لإبراهيم نصر الله. ومن جهة أخرى، تطوّر اتجاه السخرية الرمزية الذي أسّس له حبيبي، وبلغ ذروته في رواية “باب الشمس” لإلياس خوري، التي استحضرت النكبة واللجوء بوصفها حكاية وجود لا سردًا تاريخيًا محضًا، عبر الأسطورة وتعدد الأصوات. وقد لاحظت الباحثة جهينة الخطيب أن هذه المرحلة عكست “خيبة أمل” المثقف الفلسطيني بعد تداعي أحلام العودة، وهو ما انعكس بوضوح على أزمة الهوية في نصوص كـ”المتشائل”.
كذلك اتخذت الرواية النسوية بعد “أوسلو” منحى جديدًا، فتناولت الجسد والقمع الاجتماعي والسلطة الذكورية بوصفها قضايا موازية للاحتلال، فيما اتجه عدد من الكتّاب نحو الرواية السيرية التي تمزج الوثيقة بالخيال لتوثيق تجربة جيل كامل من اللجوء .والمنفى
الجيل الجديد بعد عام 2000

قدّم كتّاب هذا الجيل رؤية مختلفة تعتمد تقنيات سرد حديثة، وتميل إلى نقد الأطر التقليدية، مع تركيز على التجربة الفردية وقضايا الجندر والحياة تحت الحصار والواقع الرقمي وتحولات الشتات. وباتساع حضور كتّاب من داخل الأراضي المحتلة ومن المنافي الأوروبية والأميركية، اتسع المشهد الروائي ليعكس تعددية التجارب. وتبقى الرواية الفلسطينية، منذ “خليل بيدس” حتى جيل اليوم، مشروعًا سرديًا مقاومًا يوازن بين التوثيق التاريخي والابتكار الفني، ويقاوم محاولات المحو عبر اللغة والذاكرة والحكاية.

سراج أحمد، باحث دكتوراه في اللغة العربية وآدابها بجامعة جواهر لال نهرو، نيودلهي، ومترجم وباحث في الأدب العربي والدراسات اللغوية والنقدية.

الخطيب، جهينة. “تطور الرواية العربية في فلسطين” 48 (1948–2012).
كنفاني، غسان. “عائد إلى حيفا”. مؤسسة الأبحاث العربية، 1970.
حبيبي، إميل. “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل”. دار الفارابي، 1991.
خليفة، سحر. “الصبّار”. دار الآداب، 1976.
جبرا، جبرا إبراهيم. “البحث عن وليد مسعود”. دار الرشيد، 1978.
خوري، إلياس. “باب الشمس”. دار الآداب، 2010.
www.ajnet.me/culture/2013/2/22/الرواية-العربية-في-فلسطين-وتطورها.

ادعموا صحافتنا

إن مساهمتكم تتيح لنا مواصلة العمل الصحفي بمهنية ونزاهة، وتعزيز تغطيتنا الإخبارية، وصون استقلاليتنا، وتقديم محتوى موثوق للقارئ على مدار الساعة.

Ad 2

آخر الأخبار

Ad Demo